بوابة المعرفة

Your Knowledge Gate

  • Full Screen
  • Wide Screen
  • Narrow Screen
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

صدق أو لا تصدق (46)

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

بحث الأهالي عن الذهب فمات الأطفال تسمماً بالرصاص! مأساة من نيجيريا

ابتليت ولاية زامفارا Zamfara   الواقعة شمال غرب نيجيريا بمأساة تسمم كبيرة حصدت حياة مئات الأطفال وتعرض الآلاف لمخاطر تسمم بدرجات متفاوتة، ينبغي علاجها على وجه السرعة، وسط نقص في الإمكانيات والموارد حاولت منظمات صحية وعالمية عدة تغطيتها قبل أن يفوت الأوان، دون نجاح كبير.

 وقد حصل ذلك بسبب البحث عن الذهب ومعالجة خاماته الغنية بالرصاص لاستخلاص المعدن الثمين، كما وضح مسؤول الأوبئة في وزارة الصحة النيجيرية بقوله: " كان الضحايا يحفرون للبحث عن الذهب، لكن مناطق الذهب تحوي أيضاً تراكيز عالية من الرصاص". وكانت حكومة ولاية زامفارا قد وظفت شركة صينية للتنقيب عن الذهب قبل حصول المأساة. فقام السكان المحليون بالبحث هم أيضاً عن الذهب لحسابهم بصورة غير مشروعة بسبب ما يوفره لهم ذلك من مال وفير في تلك المنطقة الفقيرة الواقعة على حافة الصحراء الكبرى، خصوصاً بعد الارتفاع الكبير لأسعار الذهب العام الماضي وهذا العام بحيث وصل آنذاك إلى 23 دولار للغرام الواحد من الذهب، وقد يكونون لوثوا مصادر مياههم بالرصاص أثناء المعالجة لاستخلاص الذهب أو بسبب هطول الأمطار على الخامات الملوثة وبقاياها. كما قد تكون إصابة الأطفال بالتسمم تمت أثناء لعبهم في البيوت والمناطق السكنية الملوثة بالرصاص.

وتتم عملية استخراج الذهب من الخام بطريقة بدائية معروفة منذ ألف سنة، إذ تكسر الصخور أولا إلى حجارة بمطرقة كبيرة، ثم تطحن الحجارة باستخدام آلات حديثة يحركها مولد كهرباء، بدلاَ من الطريقة القديمة اليدوية الشاقة، ثم يعالج المسحوق الناتج بواسطة ملاط يحوي الماء والزئبق (وهو أيضاً خطر) كي يسحب الذهب من التربة الناعمة. وكان القرويون يأخذون الصخور الثمينة إلى بيوتهم، ويضعونها أحياناً على فراشهم دون علم بما يحملونه من رصاص. وكان تكسير الصخور يترك أحياناً للنساء، اللواتي يتركن الحجارة حيث يلعب أطفالهم الصغار. وكان غبار الصخور المليء بالرصاص يملأ الأجواء، ويسقط في ساحات المناطق السكنية التي يركض فيها الأطفال.

وقد اكتشفت الوفيات بسبب التسمم بالرصاص أثناء تنفيذ برنامج المناعة السنوي للبلاد، حيث لا حظوا عدم وجود أطفال تقريباً في عدة قرى في هذه الولاية شمال البلاد. وقد قال الأهالي للسلطات الصحية أن الأطفال توفوا بسبب الملاريا ليخفوا واقعة بحثهم غير المشروع عن الذهب.

وقد بدأت المأساة تتضح عندما لاحظ متطوعون من منظمة أطباء بلا حدود Médecins Sans Frontières (MSF)   أن هناك وفيات وحالات مرضية تحصل بوتيرة عالية بين الأطفال منذ شهر آذار / مارس 2010 على الأقل وخلال الشهر التالي، في منطقتين على الأقل هما بوكويوم Bukkuyum   وأنكا Anka  ، واكتشفوا وجود نسب عالية من الرصاص في عينات دم أخذت منهم، وأبلغوا وزارة صحة حكومة الولاية بذلك. وبناء على طلب وزارة الصحة في الحكومة النيجيرية الاتحادية التي هالها الانتشار الوبائي للإصابات، قام مركز مراقبة الأمراض الأمريكي United States Centers for Disease Control (US CDC)   بإرسال فريق طبي وعلمي لاستقصاء الحالة، في نفس الوقت الذي أرسل فيه معهد بلاكسميث (الخامات الحديدية) Blacksmith Institute   فريقاً آخر من شركة تيراغرافيك للهندسة البيئية TerraGraphics Environmental Engineering Inc لاستقصاء المنطقة بيئياً. وقد عمل خبراء الفريقين، بالتعاون مع السلطات الولائية والاتحادية ومنظمة أطباء بلا حدود وفرع منظمة الصحة العالمية World Health Organization (WHO) في نيجيريا، للتعرف إلى أسباب المشكلة وأكدوا إصابة أكثر من 100 طفل بتسمم حاد بالرصاص في قريتي داريتا Dareta ويارغالما Yargalma، حيث كان متوسط تركيز الرصاص في دمائهم أكثر من 119 ميكروغرام / ديسي لتر، مع العلم أن تركيزاً يساوي 10 ميكروغرام / ديسي لتر فقط كاف لإحداث أضرار على الجهاز العصبي للأطفال الصغار، ويستدعي غالباً دخول المستشفى في دول الغرب. وجدير بالذكر أن الحد الأعلى الذي يقيسه جهاز قراءة نسبة الرصاص هو 65 ميكرورام / ديسي لتر. وقد بين البحث أيضاً أنه يوجد تراكيز للرصاص في التربة تزيد عن 100000 جزء من مليون (أو 10 %) حول المناطق السكنية والقرى، مع العلم أن الحد الأعلى المقبول حول المناطق السكنية في فرنسا والولايات المتحدة يبلغ 400 جزء من مليون.

وإزاء تعقيد الموقف طلبت السلطات النيجيرية من منظمة الصحة العالمية تقديم المساعدات الفنية والمادية اللازمة لمواجهة الوباء الحاصل ومنع حصول أوبئة مماثلة في المستقبل. وقد أرسلت المنظمة فريقاً من الخبراء لتقييم الموقف يضم 3 مختصين صحيين بالأوبئة  Epidemiologistsوعالم سموم سريري Clinical Toxicologist وطبيب أطفال وخبير صحة بيئية ومختص مخبري. وقد أكد هذا الفريق بالتعاون مع فريق من وزارة صحة الولاية الدرجة العالية للتلوث البيئي بالرصاص لنفس السبب في 5 قرى أخرى هي تانغر- دادج Tungar-dadj وأباري Abare ودوزا Duza وسونكي Sunke في منطقة أنكا، وتانغر- غورو Tungar-guru في منطقة بوكويوم. وقد وجد في عينة من 56 طفلاً دون الخامسة من العمر في قريتي أباري وتانغر- غورو أن نسبة الرصاص في أكثر من 90 % منهم تفوق 45 ميكروغرام / ديسي لتر ( يحتاج هذا التركيز لمعالجة بالخلب Chelation Therapy) وفي أكثر من 70 % منهم تفوق 70 ميكروغرام / ديسي لتر (الذي يحتاج إلى معالجة فورية خاصة قبل المعالجة بالخلب)، وقيس تركيز يبلغ 300 ميكروغرام / ديسي لتر عند أحد الأطفال. وقد لوحظ وجود نسبة عالية من حالات الاختلاج   Convulsions والوفيات في هذه القرى، يحتمل جداً أن تكون عائدة للتسمم بالرصاص. واعتماداً على استقراء النتائج على عموم السكان، يتوقع الخبراء أن يكون هناك أكثر من 2000 شخص بحاجة إلى معالجة بالخلب في القرى الخمس. وتتوقع معطيات سجلات مشفى وزارة صحة الولاية أن يكون هناك قرويون آخرون متسممون بالرصاص في قرى أخرى قد يوجد فيها نفس المشكلة.

يصيب التسمم بالرصاص بصورة خاصة الأطفال دون سن الخامسة، لأن دماغهم في حالة نمو. وتؤدي نسب الرصاص العالية إلى تضرر الدماغ والجهاز العصبي. كما يمكن للرصاص أن يسبب مشاكل إنجاب، وارتفاع ضغط الدم واضطرابات عصبية وفقدان ذاكرة. ويمكن للرصاص في الحالات الحادة أن يسبب نوبات مرضية حادة وغيبوبة والوفاة. وعندما ينقل طفل إلى المستشفى في مثل هذه الظروف يعتبر صمته أسوأ العلامات. وإذا أنّ نتيجة العلاج أو سحب عينة دم فهذه علامة جيدة.

وقد أمنت منظمة أطباء بلا حدود فيما بعد العلاج بالخلب باستخدام دواء ساكسيمر Succimer، بعد تفريغ الكبسولة وخلط المحتوى بالعسل، لحوالي 100 طفل في وحدتين أقيمتا خصيصاً ضمن المشفيين العامين في بوكويوم وأنكا، وتبدأ استجابة الطفل للعلاج الذي يستمر حوالي شهر بعد يومين من بدئه عادة. وتسعى منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع أطباء بلا حدود وعلماء سموم سريريين عالميين لتطوير أساليب علاج معتمدة لهذه الحالات. كما ساعد فريق الأمم المتحدة في إقامة مخبر تحليل لقياس نسبة الرصاص في الدم في غوزو Gusau وأمن التدريب على مراقبة وعلاج التسمم بالرصاص.

هذا ويعتبر من الضروري إزالة التلوث بالرصاص من القرى وخاصة المناطق السكنية لمنع وفيات جديدة أو تضرر عصبي طويل الأمد للأطفال قد يشلهم عن الحركة أو يصيبهم بالعمى أو الصمم. كذلك فإنه من الضرورة بمكان التعرف على الأطفال المتسممين وأن يعطوا علاج الخلب المناسب. وحتى يكون العلاج بالخلب فعالاً يجب إبعاد الأطفال عن التعرض للرصاص، بمعنى أنهم لا يستطيعون العودة إلى بيوتهم بعد العلاج حتى تصبح بيئتهم نظيفة. وقد عمل معهد بلاك سميث وشركة تيراغرافيك مع سلطات ولاية زامفارا لإزالة تلوث قريتي داريتا ويارغالما. وقد عملت منظمة الصحة العالمية مع شركائها في الأمم المتحدة لتأمين التمويل اللازم لإزالة تلوث القرى الخمس الأخرى والتعرف على كل الأطفال المصابين وعلاجهم، وكذلك المصابون من الكبار وخصوصاً النساء الحوامل في هذه القرى.

وكانت حكومة ولاية زامفارا قد خصصت ما يعادل 1.6 مليون دولار للاستجابة السريعة الهادفة للسيطرة على انتشار التسمم بالرصاص الذي قتل حتى أوائل حزيران / يونيو 2010 ، 163 شخصاً معظمهم من الأطفال في منطقتي أنكا وبوكويوم من بين 363 شخصاً تم تشخيص إصابتهم بالتسمم. وبعد أن أعلنت وزارة الصحة الاتحادية هذه الأرقام العائدة لنشاطات التنجيم واستخلاص الذهب يوم الجمعة 4 حزيران 2010، أخبر مسؤول الصحة في ولاية زامفارا الدكتور سعد إدريس الصحفيين في غوزو اليوم التالي أن حكومة الولاية منزعجة جداً لهذه الحالة وأنها تبذل ما في وسعها للسيطرة على الوضع بالتعاون مع المنظمات الدولية. وقد صرف المبلغ الذي خصصته الولاية على شراء الأدوية وعلى منشأت رقابة للخمج وعلى التنقيب عن التربة الملوثة في مناطق التنجيم والتخلص منها.

وبما أن التسمم بالرصاص ينسب لأنشطة التنجيم والتنقيب غير المشروعة عن الذهب في هاتين المنطقتين من الولاية، فإن حكومة الولاية قد أزالت جميع آلات التنجيم العائدة للمنجمين غير الشرعيين من هذه المناطق. كما أنها سترفع الأسبوع التالي التربة الملوثة وتستبدلها بتربة نظيفة وخالية من الملوثات إضافة للإسمنت. وأنها ستستعين في المستقبل بخبراء خارجيين للمساعدة على تطوير طرق تنجيم ومعالجة أكثر أماناً في الولاية، بعد أن طلب رئيس الدولة من المنجمين ومن مناطق الولاية عندما زارها أول شهر حزيران احترام طرق العمل البيئية الدولية أثناء التنجيم.

وقد دفن الأطفال ضحايا مأساة التسمم بالرصاص في قبور صغيرة متراصة بجانب بعضها بالعشرات في كل قرية، حيث يزورها الآباء المفجوعون بأبنائهم وبناتهم حتى في حر الصيف اللاهب. لكن ذلك لم يوقف نهائياً عمليات البحث غير الشرعية عن الذهب، مما جعل إصابات التسمم بالرصاص تظهر هنا وهناك في ولاية زامفارا وغيرها في شمال نيجيريا من حين لآخر، وإن كان ذلك بدرجة أقل.

التعليقات
بحث
يسمح التعليق فقط للمستخدمين المسجلين!

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."

You are here: منوعات غرائب صدق أو لا تصدق (46)